سيد محمد طنطاوي
254
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال ابن كثير - رحمه اللَّه - : لما ذكر - تعالى - أنه إنما حرم علينا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللَّه به ، وإنما أرخص فيه عند الضرورة وفي ذلك توسعة لهذه الأمة التي يريد اللَّه بها اليسر ولا يريد بها العسر - ، ذكر - سبحانه - بعد ذلك ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم قبل أن ينسخها ، وما كانوا فيه من الآصار والتضييق والأغلال والحرج ، فقال : * ( وعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ . . ) * . أي : في سورة الأنعام في قوله : وعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ، ومِنَ الْبَقَرِ والْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ، ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وإِنَّا لَصادِقُونَ « 1 » . والمعنى : وعلى اليهود بصفة خاصة ، دون غيرهم من الأمم ، حرمنا بعض الطيبات التي سبق أن بيناها لك في هذا القرآن الكريم ، وما كان تحريمنا إياها عليهم إلا بسبب بغيهم وظلمهم . وفي الآية الكريمة إبطال لمزاعمهم ، حيث كانوا يقولون : لسنا أول من حرمت عليه هذه الطيبات ، وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم وغيرهما ممن جاء بعدهما . وقوله : * ( مِنْ قَبْلُ ) * متعلق بحرمنا ، أو بقصصنا . وبذلك يتبين أن ما حرمه اللَّه - تعالى - على الأمة الإسلامية ، كالميتة والدم ولحم الخنزير . . كان من باب الرحمة بها ، والحرص على مصلحتها . . أما ما حرمه - سبحانه - على اليهود ، فقد كان بسبب بغيهم وظلمهم . وقوله - تعالى - : * ( وما ظَلَمْناهُمْ ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) * بيان لمظهر من مظاهر عدل اللَّه - تعالى - في معاملته لعباده . أي : وما ظلمنا هؤلاء اليهود بتحريم بعض الطيبات عليهم ، ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم ، حيث تركوها تسير في طريق الشيطان ، ولم يوقفوها عند حدود اللَّه - تعالى - ، فاستحقوا بسبب ذلك ما استحقوا من عقوبات . وصدق اللَّه إذ يقول : إِنَّ اللَّه لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ولكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 2 » . وقوله - سبحانه - * ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ . . ) * بيان لسعة رحمته - سبحانه - بعباده ، ورأفته بهم .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 590 . ( 2 ) سورة يونس الآية 44 .